عالم الغيب والشهادة

عالم الغيب والشهادة


حدود إدراك الإنسان

من المعلوم أنَّ الإنسان لديه قُدرات عقليّة وبدنيّة أعطاهُ الله إيّاها؛ ليتأمّل في هذا الكون، وليتفكّر في خلقه وتصريف شؤونه، ومهما بلغَ الإنسان من رجاحة العقل، وقوّة الجوارح، كالبصر، والسمع وغيرها فإنّهُ محدود الإدراك؛ لأنَّ الكونَ باتّساعه لا تُحيط بهِ مُدركات الإنسان، كما أنَّ ما بعدَ هذا الكون من عوالم وخفايا لا يُمكن للإنسان أن يتصوّرها، لذا فمن الطبيعيّ أن يتمّ تقسيم العالم الذي نعيشهُ إلى عالمين: عالَمٌ نُشاهدهُ بأعيننا وتصلُ إليهِ مُداركنا وعقولنا، وربّما أيدينا فنلمسهُ أو نذوّقه، وهو العالم الماديّ المحسوس والمُشاهد والمعروف شرعاً في الدّين بعالَم الشهادة، وهُناكَ عالَمٌ يغيبُ عن إحساسنا، وإدراكنا وعُقولنا، وجوارحنا وهوَ عالَمُ الغيب.

عالَمُ الشهادة

عندما ترى الأرض بترابها فتلمسهُ بيديك، وتلتقطُ زهرةً من الحُقول الخضراء التي تراها بعينيك فتشمّها بأنفك، وتتأمّلها ببصرك، ويتناهى إلى سمعك صوت الطيور، وهي تُغرّد في سمائِكَ الزرقاء فهذا عالَمُ الشهادة، عندما ترى النُجوم بعينيك في السماء فأنت تُشاهدها، وحتّى لو غابَ بعضُها عن عينيك ورأتهُ التلسكوبات العملاقة، وأظهرتهُ لك ورأيته عندها بعينيك، فقد أحطتَ به فأصبحَ عالَماً مُشاهداً أيضاً، عندما ترى أطوار الجنين تتخلّق عن طريق المجاهر الدقيقة جدّاً فأنت قد شاهدتَ ما كانَ غائباً عن غيرك في السابق، فالشهادة هيَ كلّ ما قد يتوصّل إليه حسّ الإنسان ومُشاهدته، فقد يكون ما غابَ عن من هُم قبلكَ معلوماً محسوساً لديكَ اليوم، وهذهِ هي العوالمُ المًشاهدة التي نستطيع إدراكها ويعلمها الله جلّ جلاله، ولكن ماذا عن عالَم الغيب.

عالَمُ الغيب

نحنُ لا نرى الملائكة، ولا نسمعُ أصواتهُم، ولا نرى الجنَّ والشياطين، ولم نرَ السماء السابعة، ولم نرَ الجنّة والنار، ولم نرَ القبر بما فيه، هذهِ كُلّها غيبيّات لا نعلّمها على الإطلاق، ولا يُحيط بها إحساسنا ولا إدراكنا، ويعلمُها الله جلَّ جلاله، فهوَ وحدهُ الذي أحاطَ عِلماً بعالَمِ الغيبِ والشهادة لا إله إلاّ هو، ولأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يعرف بمُدركاته عالَمَ الغيب، فقد أطلعهُ الله على بعض المخفيّات عنه، وعن إحساسه من خلال الوحي من عند الله.

كانَ الأنبياء والرُسُل عليهِم الصلاة والسلام مبشّرين ومُنذرينَ من عندِ الله تعالى، حيث يدعوننا إلى عبادةِ الله جلَّ جلاله، والذي أعلمونا عنهُ بالوحي، وأعلمونا بالوحي الإلهي عن وجود الجنّة لِمن أطاع الله وامتثلَ أوامره، وأعلمونا عن النارِ والعياذ بالله لمن عصى الله وأسخطه، فكانت الرسالات سبباً في إطّلاع البشر على بعض الغيب الذي نؤمن به إيماناً منّا بصدق الرسالات المؤيّدة بالمحسوسات المُشاهدة، وهي المُعجزات، فسُبحانَ الله عالِمُ الغيب والشهادة.